- ( آخر تحديث الساعة ) 1:13 م
النشرة الأخبارية اليومية

سوق النخاسين

سوق النخاسين

   في تشبيه جريء, بدأ حديثه بتشبيه أمتنا العظيمه ببغيّه في سوق النخاسه وأشار إلى أن مقاليد النخاسه بيد النخاسين, ولكني عارضته وكنت أحمق في ردي مما ألهب المعركه وجعل ألسنتنا الحداد تقتحم الصمت وتنسلّ من غمدها لتلتقي في مشهد ذكرني بحروب حقبة طه حسين أو كما قيل عن حقبته بحقبة المعارك الأدبيه والتي لا تخلو من الشخصنه..

وتدهور الوضع فأصبح كلاً منّا يطلق من العبارات أرعنها, حتى شاءت بنا الحماقه أن نفتح باب المذاهب ونلصق التهم والأباطيل غير آبهين بالجمع الذي أحاطنا بحماسه أشعلت حربنا الكلاميه وكأن هذا الجمع الأرعن يضع الحطب على نار غلنا فيؤجج ناراً إستطارت شراً مستطيراً قسم الجمع إلى قسمين, فقسم وقف يساندني ويبارك حماقتي وقسمٌ آخر وقف مع عدويّ ..

فأقتربنا من بعضنا ولا زلنا في وطيس أم المعارك, حتى إنطلقت يدي نحو وجهه دون أن أشعر بها وهوت على جبهته فأزالت تجاعيدها, فردّ لي الضربه بضربه, وعندها إنتقلت المعركه من الألسنه إلى الأيادي والأقدام..

وبعد أن أشبع كل واحد منّا صاحبه ضرباً ورفساً, إنتبهنا لحماقتنا فتوقفنا دون إعلان صريح للهدنه, لنجد أن الجمع الغفير لم يعد موجود ولم يبقى في معركتنا سوانا..!!

إستغربنا ذلك, أين من كان يؤجج صراعنا؟ لم يبقى منهم أحد ..

قمت من مكاني باحثاً عن نظارتي الطبيه فقد طارت أثناء شجارنا, وبحثت عنها فوجدتها قد إختبأت خوفاً منّا تحت كرسي, فلبستها, ولكني لاحظت أن نظري لم يتحسن بها, فخفت أن تكون لكماته قد أضعفت نظري, ومع ذلك كله لبستها وخرجت نحو سيارتي لأنجو بنفسي..!

وصلت للبيت ووقفت أمام المرآه لأرى آثار العراك, فوجدت أن النظارة الطبيه ليست نظارتي بل هي له.!

فلقد أخذ نظارتي وأخذت نظارته ..ياللورطه ..كيف أسترجع نظارتي وهو أصبح عدوي ولن أستطيع مخاطبته بعد اليوم, فهو أحمق حقير عدوّ دين …فقررت أن أبتاع غيرها ..

وحين وصلت لمحل النظارات الطبيه, وجدته هو الآخر هناك ..فحاولت تجنبه ولكن لم أستطع فوضعي المادي لا يسمح بإقتناء نظاره جديده والأجدى أن أعيد له نظارته وهو يعيد لي نظارتي, فأكون وفّرت نقودي..ولكن كرامتي لم تسمح لي بذلك .!!

وأظنه هو الآخر كان يفكر فيما كنت أفكر فيه … ولكنه لم يبادر,..وظلّ كلاً منّا ينتظر أن يبادر عدوه ..وكان البائع مشغولاً بزبون آخر ..

مرّ الوقت وأنا متردد , هل أبادره أم أنتظره يبادرني ؟

إتخذت القرار بالمبادره ومددت يدي وهي تحمل نظارته نحوه فأخذها وأعاد لي نظارتي ..!

ومضى كلا منّ إلى سبيله ..!!

بعد مُضي خمسة أعوام, لقي حتفه في حادث سير شنيع … كم آلمني سماع نبأ موته وإني حينها شعرت بندم شديد, بل إني إعتزلت الناس فترة من الزمن ..!!

كان صديقي الصدوق المخلص المعين الموجود في السراء والضراء, أفتقدنه وندمت على مقاطعته ..!!

 

إنتهى من سرد حكايته, وكنت أرى الحزن يسكن وجهه التعيس..ثم قام من مكانه وترك على طاولة المقهى كتاب, ومضى في حال سبيله..كان عنوانه الكتاب” Invisible Man” أو الرجل الخفي لجورج ويلز ..

لم أقرأ الروايه فأنا لا أحب الخيال العلمي ولكن شدّني عنون الكتاب وتساءلت بعد رحيل صديقي عن الرجل الخفي في كل رجل منا..هل مات ؟ هل وهن؟ هل أخافه عصرنا المادي؟ هل إغتالته اللذات؟ هل بيع في سوق النخاسين؟ ..

الرجل الخفيّ, ذلك الذي نحتاجه عندما لا نقدر على ردع حماقاتنا التي لا يجلب خروجها إلا أزمات مُختلقه, كنّا نقدر على تفاديها لو أيقظنا رجالاتنا المهزوعين في خِلسة ظلامنا المقيم علينا والمملوك في سوق النخاسه ..

.

بقلم عسكر بن علي آل سعد

رابط مختصر:

شارك برأيك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة نجران نيوز الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر. تمنع التعليقات الطائفية او التي تتضمن شتائم او تعابير خارجة عن اللياقة والأدب وللإبلاغ عن أي تعليق مخالف يرجى تنبيهنا باستخدام هذا النموذج .

التعليقات (1)

  1. جالي حمد 2013/11/11 - 3:47 ص

    يالها من قصة محزنه حقيقه
    مررت بقصه مماثله تماماً ولكنني افتقدت مؤخراً الرجل الخفي الطيب فيّ
    مما يجعلني لا اابه بكل الاموات

    (0) (0)
(0)
  •  المشاهدات : 1715
  •  التعليقات : 1
  •   أضف إلى مفضلتك
  •   أخبر صديق
  •   شارك