- ( آخر تحديث الساعة ) 5:39 ص
النشرة الأخبارية اليومية

أوّل بصمة إصبع في الأخدود!

أوّل بصمة إصبع في الأخدود!
مشعل بن عبدالله - المشهد الإخبارية : 

مقدمة :
ما هي بصمة الإصبع ومتى اكتشف الإنسان سر هذه البصمة؟
بصمة الإصبع هي عبارة عن خطوط دقيقة ذات أشكال مختلفة حددها العلماء بأربعة أشكال هي المقوّسة، والدوائر، والعقد، وأخرى مركبة من أشكال مختلفة. وتبرز في طرف الإصبع من الداخل وكذلك في باطن الكف. وتحتوي على غدد عرقية ، وعندما يلمس الشخص شيئاً ما فإنه يترك بصمته على سطحه، ويمكن رؤية البصمة بالعين المجردة على السطوح الملساء والمصقولة لأنها عبارة عن إفرازات. وهي تختلف من شخص لآخر فلا يوجد في العالم بصمة تماثل أخرى، ما يعني أن بصماتنا هي أختام ربّانية متقنة الصنع منحنا إياها الخالق سبحانه وتعالى لتظل شاهدة على عظمته وإبداعه. وليميز بها كل فرد عن غيره في خضم هذا البحر البشري المتدفق منذ الأزل، والذي يبدو متشابهاً في مظهره الخارجي. وهذا التفرد التام في الهوية يولّد في النفس شعوراً عميقاً بالتميز ،والحرية، والاستقلال، فسبحان الصانع الذي أتقن كل شيء .

.
يظن كثيرون-وأنا كنت منهم- بأن علم البصمات هو علم حديث والحقيقة خلاف ذلك، فبعض المصادر التاريخية تؤكد بأن الصينيين هم أول من اكتشف بصمة الإصبع قبل ثلاثة آلاف عام، واستخدموها في تعاملاتهم التجارية كإبرام العقود وتوثيق صكوك الملكية، وفي علاقاتهم المدنية كالتعريف بالأشخاص وعقود الزواج والطلاق،وكذلك في المجال الجنائي .

.
ومن تلك المصادر كتاب(جامع التواريخ) للطبيب المسلم رشيد الدين الهمذاني(1305م)والذي ذكر فيه أن تجارب الصينيين أثبتت أنه لا يوجد شخصان لهما أصابع متماثلة.
وليست الصين القديمة وحدها هي التي اكتشفت أهمية البصمة؛ فقد عثر العلماء على بصمات أصابع في أواني خزفية، وفخارية، وألواح طينية جافة ضمن آثار الحضارات القديمة كالهندية،والفارسية، والمصرية،وبلاد ما بين النهرين .

.
وقد تطور علم البصمات كغيره من العلوم وتحول مع مرور الوقت إلى علم جنائي صرف وظفته الأجهزة الأمنية في الكشف عن المجرمين من خلال التعرف على بصماتهم. وتعتبر دولة الأرجنتين أول دولة وظفته رسمياً لكشف الجريمة في عام 1897م كما ذكر راشد الجربوعي في كتابه(علم البصمات الجنائي).
.
بصمة الأخدود:
الكثير من النقوشات الصخرية في منطقة نجران هي في الغالب رسومات لبشر ،وحيوانات،ورموز دينية، ونصوص سياسية،ولوحات فنية تعبر عن القوة،والفن،والجمال،والثقافة،وعن مختلف المشاعر الإنسانية؛ ولكن من النادر جداً أن نجد بصمة إصبع لشخص قضى نحبه منذ آلاف السنين !
وعلى حد علمي بأن البصمة التي عثرت عليها في موقع الأخدود الأثري هي أوّل بصمة بشرية مكتشفة في نجران وربما في مناطق أخرى من المملكة .

.
ثمة دلائل مادية تؤكد قيام حضارات عريقة في نجران وتحديداً في موقع الأخدود الأثري، غير تلك الرسومات والنصوص التي نقش أغلبها الرعيان،والصعاليك،والعشاق،والطغاة الذين عادةً ما يزيفون الحقائق، ويبالغون في وصف أمجادهم، وينقشون التاريخ بإزميل المنتصر !
هذه الدلائل الحضارية قد تكون ظاهرة جلية مثل البناء،والأدوات الحجرية الضخمة، والمعثورات الأثرية التي وجدتها فرق التنقيب في حملاتهم المتعاقبة كالعملات المعدنية،والتماثيل،والتشريعات الدينية والسياسية المرقومة في صفائح معدنية . وقد تكون هذه الدلائل خفية مطمورة في الطين،أو متوارية تحت ركام العظام والصخور . فينبغي على الباحث أن يدقق النظر في أبسط الأشياء التي لا تلفت الانتباه؛ أما لصغر حجمها، أو لتراكم طبقات الغبار والرماد عليها.

.
في موقع الأخدود الأثري عثرت قبل فترة على أصداف وقواقع بحرية؛ وأثارت فيني الكثير من التساؤلات، ومعلوم أن السؤال هو مفتاح المعرفة والخطوة الأولى على درب الحقيقة..وكما ذكر أحد الفلاسفة “فالوجود مليء بالإجابات ولكنها تنتظر الأسئلة المناسبة”..سألت نفسي :
ما الذي جاء بالأصداف في هذا الموقع الخالي من البحيرات والأنهار؟!
هل هي شواهد ملموسة على نهر لار القديم الذي ذكره بطليموس؟!
هل توحي بوجود خزانات مائية طبيعية كبيرة، وشبكة من قنوات الري التي كانت تسقي المدينة؟!
هل هذه الأصداف بحرية أم نهرية وهل ثمة فرق بينهما؟!
وبالأمس القريب عثرت على بصمة إصبع غائرة في قطعة فخارية بحجم راحة اليد . وهذه المعثورات التي وجدتها في الموقع شاهدتها بعيني على الأرض ولم أضطر لارتكاب مخالفة الحفر والتنقيب التي يعاقب عليها قانون الآثار في المملكة.

.
علماً بأنه سبق لي مناشدة هيئة السياحة والتراث الوطني(إعلامياً)بأن يسمحوا للهواة والمهتمين بالآثار بالانضمام إلى فرق التنقيب الرسمية ليستفيدوا من معلومات المتخصصين،وفي المقابل يساندوا هذه الفرق ويثرونها بما لديهم من خبرات في هذا الجانب تحقيقاً للمصلحة العامة. فالأكاديمي لن تمكنه مؤهلاته العلمية، وأدواته البحثية المتطورة من استجلاء وجه الحقيقة كاملاً دون معاونة الهاوي الذي يدفعه الفضول والرغبة . فالآثار ليست جماداً ميّتاً، بل هي بقايا حياة ترسل ذبذباتها إلى قلوب عشاق المعرفة، وتكشف عن ساقها للشغوفين الذين يتطلعون لحل الألغاز التاريخية . ويتعاظم حدس الباحث كلما عظم ارتباطه الوجداني بالمكان الذي يبحث فيه وهذا ما يفتقده أكثر المتخصصين..! . فالأكاديمي والهاوي هما وجهان لعملة واحدة، وهذه وجهة نظر خاصة تعززها إنجازات الهواة الناشطين في مجال السياحة والآثار على مستوى الوطن عامة ونجران خاصة .
.

استنتاج :
قد تكون(بصمة الأخدود)خاصة بحرفي امتهن صناعة الأواني الفخارية؛ لأن جزءاً من خطوط البصمة غير بارز كما هو الحال في بصمات أصحاب المهن الشاقة كالبناء، والحدادة،والنجارة،وصناعة الأواني الذين تكون بصماتهم ملساء وغير واضحة بسبب كثرة احتكاك أيديهم بالمواد الصلبة والخشنة وكثرة استخدامهم للنار .
البصمة قديمة استناداً لوجودها في كسرة فخارية من كسر أواني الفخار المتناثرة على أرض الموقع والتي يعود زمنها لحقبات مبكرة من تاريخ المدينة كما هو موضح في اللوحات التعريفية الخاصة بالأواني الفخارية في متحف الأخدود القديم.

.
قد تكون هذه القطعة صفحة من صفحات سجل تجاري،أو مدني،أوجنائي؛ فالأخدود مدينة تاريخية عريقة تضاهي في عمرها وقيمتها الحضارية أقدم الحضارات البشرية ؛ ولكنها مازالت تغرق في بحر من الغموض وتحتاج إلى تضافر جهود الجميع لسبر أغوارها واستنطاق آثارها.
فنقوشها ألغاز، وتصميمها الهندسي إبداع، ومعثوراتها الأثرية لا تقدر بثمن، وموقعها الجغرافي الاستراتيجي جعل منها مركزاً اقتصادياً مزدهراً، وقبلةً يؤمها التجار، والعلماء،وأصحاب المهن،والنحاتين، والأثرياء على مر القرون.
.
اقتراح :
آمل أن يقوم خبراء البصمات بمعالجة البصمة كيميائياً،ورفعها من القطعة الأثرية، وتكبير صورتها ليتسنى تعليقها على جدار المتحف الإقليمي؛ بعد كتابة نبذة تعريفية عنها. وذلك من أجل إثراء المتحف بعناصر نوعية من آثار الأخدود توحي للزائر بعراقة المكان ورقي الإنسان .
.
مسك الختام :
جميعنا سنرحل ونخلف بصماتنا للأجيال القادمة ؛ ولكن لن يَخْلُد من هذه البصمات إلّا ما كان غائراً في جدار الزمن !

.

مشعل بن عبدالله

 

رابط مختصر:

شارك برأيك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة نجران نيوز الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر. تمنع التعليقات الطائفية او التي تتضمن شتائم او تعابير خارجة عن اللياقة والأدب وللإبلاغ عن أي تعليق مخالف يرجى تنبيهنا باستخدام هذا النموذج .

التعليقات (5)

  1. ذيب الكباري 2018/10/24 - 9:07 ص

    شكلها شكل بصمة مجرم قاطع الإشارة وهي حمراء .

    (0) (0)
  2. أبو الأطهف 2018/10/26 - 3:10 م

    أحسنت يامعلم
    قم للمعلم وفه التبجيلا**كاد المعلم أن يكون رسولا

    (0) (0)
  3. أبو قفله 2018/10/29 - 1:39 م

    مقال ممتع ومعلومات مفيدة وأين ذي يفهمون اللغه ذه وأتمنى من الأستاذ مشعل بإسلوبه الرائع والجميل الكتابة عن موضوع مهم جدا وهو إستهتار بعض السائقين المتهورين بإشارات المرور وقطعها وتجاوزها بشكل متعمد مما يؤدي إلى حوادث مؤسفة يذهب ضحيتها الكثير من الأبرياء .

    (0) (0)
  4. فلاح بن جعموم 2018/11/02 - 3:24 م

    وقد تكون بصمة المجرم اللعين اليهودي الفاسق ذو نواس لعنة الله عليه والذي قام بحفر الأخاديد وإشعال النارفيها ليثني المؤمنين في نجران عن دينهم فما زادهم ذلك إلا إيمانا…قال تعالى في سورة البروج /وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ
    إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ*

    (0) (0)
  5. أتمنى من الأستاذ الكبير أبو حمزه الكتابة عن أشجار متنزه غابة سقام (متنزه الملك فهد) وأقصد هنا الغطاء النباتي الطبيعي والذي أنقرض أكثره نتيجة طريقة إدارة الأمانة للمتنزه وهي طريقة فاشلة بكل المقاييس وتدعو للشك والريبة فقد أستبدلت الأشجار الطبيعية وأقصد هنا (العضاه) بجميع أنواعها من سمر وسلم وشبهان وكذلك العوسج والمرخ أستبدلت هذه الأشجار الطبيعية والتي لاتحتاج إلى ماء أو سقاية بأشجار دخيلة وغريبة وليست من بيئتنا وتستهلك الكثير من المياه ومنطقتنا أصلاً شحيحة المياه وكذلك فإن إنتشار هذه الأشجار الدخيلة ساعد بشكل ما في إنقراض الأشجار الطبيعية مع التحطيب الجائر وعلى مدار الساعة والذي يجري على مرأى ومسمع ممن يفترض أنهم يحرسون تلك الغابة الطبيعية ويمنعونها من كل عابث وأيضاً منع الرعي فيها أدى إلى إنتشار نبات طفيلي يقضي على تلك الأشجار وهو نبات ( العنم) فأتمنى من أبو حمزه الكتابة في هذا الشأن عل وعسى أن يتحرك أحد ما لإنقاذ ماتبقى من غابة كانت يوم من الأيام غابة …. أو تسجل كمحمية طبيعية ويتولى غير الأمانة رعايتها ….نتمنى ذلك وأن يحدث في القريب العاجل .
    ملاحظة : (إنقراض الأشجار الطبيعية في منطقة ما بفعل الإنسان يؤدي إلى قلة الأمطار فيها)

    (0) (0)
(0)
  •  المشاهدات : 761
  •  التعليقات : 5
  •   أضف إلى مفضلتك
  •   أخبر صديق
  •   شارك